ابن قيم الجوزية
50
الطب النبوي
الكي ( 1 ) . قال : فابتلينا فاكتوينا ، فما أفلحنا ، ولا أنجحنا ( ؟ ) " ، وفي لفظ " نهينا عن الكي " وقال : " فما أفلحنا ولا أبحعنا ( 2 ) " . قال الخطابي : " إنما كوى سعدا ليرقأ الدم من جرحه ، وخاف عليه أن ينزف فيهلك . والكي مستعمل في هذا الباب : كما يكوى من تقطع يده أو رجله . وأما النهى عن الكي ، فهو : أن يكتوى طلبا للشفاء . وكانوا يعتقدون : أنه متى لم يكتو هلك ، فنهاهم عنه : لأجل هذه النية . وقيل : إنما نهى عنه عمران بن حصين خاصة ، لأنه كان به ناصور وكان موضعه خطرا ، فنهى عن كيه . فيشبه أن يكون النهى متصرفا ( 3 ) إلى الموضع المخوف منه . والله تعالى أعلم . وقال ابن قتيبة : الكي جنسان : كي الصحيح لئلا يعتل ، فهذا الذي قيل فيه : " لم يتوكل من اكتوى " ، لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه . والثاني : كي الجرح إذا نغل ، والعضو إذا قطع . ففي هذا الشفاء . وأما إذا كان الكي للتداوي : الذي يجوز أن ينجح ، ويجوز أن لا ينجح ، فإنه إلى الكراهة أقرب " . انتهى . وثبت في الصحيح - من حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب : " أنهم الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون " ( 4 ) . فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع : ( أحدها ) : فعله . ( والثاني ) : عدم محبته له . ( والثالث ) : الثناء على من تركه . ( والرابع ) : النهى عنه . ولا تعارض بينها - بحمد الله تعالى - : فإن فعله يدل على جوازه ، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه . وأما الثناء على تاركه : فيدل على أن تركه أولى وأفضل . وأما النهى عنه : فعلى سبيل الاختيار والكراهة ، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه ، بل يفعل خوفا من حدوث الداء . والله أعلم .
--> ( 1 ) وأخرجه أيضا : أبو داود ، وأحمد . وسنده قوى . اه ق . ( 2 ) بالأصل : " أنجحنا " ، وهو تصحيف . وفى الزاد - في الموضعين - : " أنجعنا " ، وفى أحدهما تصحيف . ( 3 ) كذا بالأصل وفى الزاد ( ص 83 ) : " منصرفا " بالنون . ( 4 ) أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وأحمد عن ابن عباس . اه ق .